الفرق بين اقتراف الحسنة وكسب السيئة في القرآن الكريم

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-08-01

السؤال

ما هو تفسير الشيخ لفهم بعض آيات القرآن التي تأتي فيها كلمات في غير سياقها المألوف، مثل 'ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا' في سورة الشورى، و'بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته' في سورة البقرة، وكيف تكون السيئة كسبا والحسنة اقترافا؟

الإجابة

الجواب يقوم أولا على تصحيح ما يتوهمه كثير من الناس من أن بعض المفردات القرآنية ينصرف معناها إلى معنى متصور في أذهانهم، إلا أن اللغة ودلالاتها كما هو الاستخدام القرآني لا يحصران معنى تلك المفردة فيما تصوره الناس. ومن هذه المفردات مفردة الاقتراف والكسب والاكتساب. نعم يغلب على الاستعمال القرآني وفي اللغة أن يكون الاقتراف في إتيان السوء والشر وأن يكون الاكتساب أو الكسب في تحصيل الخير والحق، لكن ذلك لا يحصر معنى الكلمتين في هذه الدلالات، فقواعد اللغة ودلالاتها تشهد باستعمال المفردتين في الخير وفي الشر، في إتيان ما هو خير وما هو حق ومحمود وفي إتيان ما هو دون ذلك. فإذا تقرر هذا فإن السياق هو الذي يرجح استعمال شيء من هذه المفردات في ذلك الموضع تحديدا دون المفردة الأخرى، لا سيما عند القائلين بأنه لا ترادف بمعنى التطابق في المفردات القرآنية، وهو قول ظاهر الرجحان بمعنى أنه لو أديرت كلمات اللغة العربية ليحل منها شيء محل الكلمة القرآنية في ذلك الموضع من ذلك السياق لما أمكن لاختل المعنى، وهذا أيضا مما ينبغي أن يتفق عليه. ولا توجيه لترجيح هذا القول عند من يقول بالترادف، قد يجد في بعض المواضع تأويلات تقوم على التنويع في المفردات المستعملة أو مراعاة الفاصلة القرآنية لكن هذا غير مطرد حتى تبنى عليه قاعدة الترادف، فالصحيح أن الترادف الذي هو بمعنى التطابق لا وجود له في كتاب الله عز وجل، فلا يمكن أن تقوم كلمة مقام مفردة قرآنية استعملت في موضع من آية كريمة في محلها من سورة كريمة. هذا هو الأمر الثاني، بقي أن نفرع على ما تقدم استعمال الاقتراف في الآية محل السؤال وهي قوله تبارك وتعالى في الشورى 'ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا'، الاقتراف هو من حيث الجذر اللغوي مأخوذ من القرف بكسر القاف، والفعل منه قرف من باب ضرب، فالمضارع يقرف، والقرف هو القشرة ولذلك القرفة التي تستعمل هي قشرة شجر ويقال قرف الرمان أي قشر الرمان، وكما تقدم الفعل منه قرف واقترف مزيد وقارف كلها مستعملة. فإذا رجعنا إلى القاعدة الأولى وهي أنها تستعمل في الخير وفي الشر، تستعمل في السوء وتستعمل في الخير وإن كان يغلب استعمالها في سياقات السوء والشر إلا أنها غير منحصرة فيه كما تقدم، واستحضرنا أيضا القاعدة الثانية أن السياق بناء على هذا هو الذي يحدد الحكمة من اختيار هذه المفردة في هذا الموضع، أمكن لنا أن نخلص إلى أن المعنى المقصود هنا لا ينحصر الخطاب فيه على أهل الإيمان، سورة الشورى سورة مكية وفي صدارة موضوعاتها مخاطبة أهل الشرك في القضايا المتعلقة بالبعث والحساب وفي رد شبهاتهم وفي ضرب الأمثلة لهم بما كان من قصص الأنبياء والمرسلين، فالخطاب في هذا السياق الذي وردت فيه هذه الآية الكريمة موجه إلى أهل الشرك ووجدت فيه آيات تتحدث عن أهل الإيمان أيضا، إذا المناسب الأنسب لخطاب أهل الإيمان وأهل الشرك بخطاب واحد هو استعمال مفردة مشتقة من الإتيان ولو في أدنى الدرجات لأن كلمة أو الجذر كما تقدم القرف مأخوذ من القشر، فإذا أدنى ملابسة مقصودة هنا، وهذا لا يحصل لا يتوصل إليه إذا كان الخطاب مقصودا به خطاب أهل الشرك أهل الجاهلية وكان الخطاب مقصودا منه تعميمه أيضا ليشمل أهل الإيمان، ولذلك فناسب أن تستعمل كلمة الاقتراف الدالة على أدنى درجات يعني الفعل نفسه حتى لا يعترض لأن الاقتراف فيه تكلف وقارف أيضا فعل مزيد يدل على الإتيان إتيان الفعل بما هو أعظم من الحد الأدنى، لكن يبقى أن أصل الاشتقاق اللغوي حاضر في هذا المعنى لأن معنى الكسب في المقابل فيه شيء من التحصيل الكسب والاكتساب أيضا الاكتساب فيه افتعال فيه معالجة وقصد إليه كذلك الاقتراف فيه شيء من المعالجة والقصد إليه لكنه في درجاته كما يقال ولو كان ذلك في القشور، 'ومن يقترف حسنة' أي يأتي هذه الحسنة ولو في أدنى درجاتها نزد له فيها، فناسبت الزيادة هنا ناسب هذا المعنى الذي يخاطب به المشركون كما يخاطب به المسلمون المؤمنون وأنهم بإتيانهم لأدنى درجات الحسنات فإن الله تبارك وتعالى يزيد لهم في تلك الحسنات حسنا، هذا الذي يناسب. بينما نجد في قول الله تبارك وتعالى 'بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته' أن السياق يشهد بأن المقصود منه الوعيد وأن هذا الوعيد هذا الإتيان هذا التحصيل للسيئات متوعد عليه من الله تبارك وتعالى هذا الوعيد المذكور في الآية الكريمة، إذا السياق هو الذي يؤدي بنا إلى استنتاج الحكمة من استعمال هذه المفردات كل في سياقها الذي وردت فيه لنجد أنه لا يمكن أن تحل المفردة الأخرى محلها وأنه بالإتيان بها في هذا السياق فإن أصل دلالتها اللغوي مقصودة وأصل المخاطبين أيضا حاضر لمعرفة الخطاب يوجه لمن وما الذي يطلب منهم إتيانه، فهذا هو الذي يظهر لي والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

الفرق بين اقتراف الحسنة وكسب السيئة في القرآن الكريم
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي