السؤال
سوف نطرح هذه الأسئلة لكن لدينا سؤال ربما أجلناه فترة، السائل الأخ علي الهنائي يقول في قوله تعالى "كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ" لماذا "فأنه" وليس "فإنه"؟ وهل هناك ملحظ بياني أو بلاغي في هذا الأمر؟
الإجابة
نعم، في قول الله تبارك وتعالى "كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ" هذا من حيث اللغة في همزة أن الثانية وجهان الفتح والكسر، فأنه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير وفي غير كتاب الله عز وجل فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير، هذه من الأحوال التي يجوز فيها الكسر والفتح كسر همزة إن ويجوز فتحها أيضا كما يقول ابن مالك: بعد إذا فجاءة أو قسم، لا لام بعده بوجهين نمي، مع تلو فالجزاء، وذا يطرد في نحو خير القول إني أحمد، ما يعنينا هنا مع تلو فالجزاء لأن الآية الكريمة قالت "كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ". إذن يعني من حيث الوضع اللغوي هذا وجه من وجوه العربية بأن تأتي همزة إن مفتوحة ويجوز أن تأتي مكسورة بعد فاء الجزاء. له نظائر في القرآن الكريم، في الأنفال في قول الله تبارك وتعالى "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ" فقال "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ"، والذي يظهر لي أنه يسأل عن همزة إن الثانية فأنه، أما همزة الهمزة الأولى في الآيتين فلأن المصدر يسد مسدها، "وهمزة إن افتح لسد مصدر مسدها وفي سوى ذاك اكسري"، فـ "واعلموا أن، أنما غنمتم" فهنا لأن المصدر يسد مسدها وكذلك في الآية التي يسأل عنها في الهمزة الأولى في همزة إن الأولى "كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّى" لأنها في مقام نائب فاعل للفعل كُتِبَ فهي يعني تقوم هي ومعموليها مقام نائب الفاعل في الهمزة الأولى حتى ننتهي من الهمزة الأولى من همزة إن الأولى. إذن قلت بأن لها نظائر في القرآن الكريم في قول الله تبارك وتعالى في الأنفال "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى" الآية الكريمة، وكذلك أيضا في التوبة "أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا" في هذين الموضعين هناك قراءات بالكسر، قراءات بالفتح وقراءات بالكسر وهذا يؤكد ما عليه القاعدة النحوية من جواز الفتح والكسر مع تلو فاء الجزاء. أيضا في قول الله تبارك وتعالى "كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" وهناك أيضا قراءة بالكسر فإنه. إلا هذه الآية في سورة الحج فليست فيها قراءة فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير. فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير. الآن فرغنا من الجانب اللغوي وهو جواز الوجهين، مع تلو فاء الجزاء فإنه يجوز في همزة إن الفتح والكسر، وذكرت أغلب الأمثلة مما ورد في كتاب الله عز وجل من هذا المثال، وقلت بأن فيها جميعا الفتح والكسر قراءات إلا في هذا الموضع من سورة الحج فإنها لم ترد إلا بقراءة فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير. وعلى هذا فـ لمَ هذا الاختيار؟ يعني الذي وجدته بعد طول بحث والآية شغلتني مدة، وجدت كلاما للفراء يقول فيه بأن إن المكسورة يمكن الاستغناء عنها مثال: في قراءة في غير القرآن الكريم "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه" يمكن أن يقال في غير القرآن الكريم فلله خمسُه. إذن همزة إن إذا كانت مكسورة في موضع فإنه يمكن أن يستغنى عنها كما يمكن أن يستبدل بها هو الضمير هو إذا كانت مكسورة. يعني من الفوارق بين إن المكسورة وأن المفتوحة عند الفراء أنه وذكر لها أمثلة كثيرة أنه يجوز الاستغناء عنها مما يعني أنها في المعنى في تأويل الكلام لأجل فهمه، أما هنا فلا يمكن لأنها جاءت مفتوحة فلا يمكن الاستغناء عنها. إذن فوجودها مقصود والقصد من وجودها هو ما يدل عليه التأويل، فعندما نقول فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير وتقدم أن همزة أن المفتوحة يسد مسدها المصدر، فتقدير الكلام هنا فإضلاله وهدايته للسعير حاصلان، أو إضلاله وهدايته للسعير ثابتان أو فثابت إضلاله وهدايته للسعير، أو فحاصل أو واقع هدايته إضلاله وهدايته للسعير. إذن تبين أن بقاء أن مجيء إن مفتوحة هنا مفتوحة الهمزة يعطي معانٍ أوسع، يعطي أن يكون المصدر المؤول خبرا لمبتدأ محذوف تقديره ثابت أو حاصل أو واقع، أو أن يكون مبتدأ لخبر محذوف تقديره ثابت أو حاصل أو واقع. إذن هناك قوة في المعنى تتأتى بإثبات همزة إن مفتوحة لا تحصل بكسر همزة إن. ولما احتيج إلى قوة في المعنى؟ لأن صيغة كتب في القرآن الكريم هي أقوى صيغ الإلزام والفرض والقضاء، كتب تأتي في القرآن الكريم بمعنى قضى، ومن ذلك "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام"، "كتب عليكم القتال"، "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية"، يأتي في سياق ما فيه تأكيد إلزام وقضاء من الله تبارك وتعالى وإيجاب لا مزيد عليه، وهذا يتناسب مع هذا السياق في هذه الآية الكريمة لبيان أن إضلال من يتولى الشيطان ودلالته إلى السعير أمران حاصلان مؤكدان واقعان لا يمكن أن يتبدلا أو أن يتغيرا، وهذا يختلف عن آية الأنعام حتى لا يعترض أحد ويقول هناك أيضا صيغة كتب، "كتب ربكم على نفسه الرحمة" هذا وعد من الله عز وجل لا إيجاب على الله تبارك وتعالى فإنه جل وعلا لا مكره له، أما الخطاب هنا فبيان حقيقة لا تتغير ولا تتبدل وأريد تقويتها بأقوى المؤكدات اللفظية والمعنوية من استعمال الألفاظ والتراكيب لما يعطي أقوى دلالة. والمعنى فيه ثابت مستقر مؤكد بأقوى المؤكدات ولذلك فإن فتح همزة أن في هذا الموضع فتح همزة إن في هذا الموضع هو الذي يؤدي إلى هذه المعاني والدلالات فلذلك جاءت بهذا الصيغة ولم ترد أي قراءة متواترة بالكسر كما تقدم هذا والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- السر البلاغي في "أنلزمكموها وأنتم لها كارهون" سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- توجيه القراءتين في نصب ورفع 'يقول' في آية 'حتى يقول الرسول' سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- الألفاظ الاهتزازية في القرآن ومعنى صرصر وصر سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- توجيه نصب الفعل يقول في آية وزلزلوا حتى يقول الرسول سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- سر حذف وإثبات النون في تك وتكن في القرآن سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي