السؤال
في المواجهة الفكرية المحتدمة بين نوح عليه السلام وقومه يرد قوله تعالى "أنلزمكموها وأنتم لها كارهون" ما السر البلاغي في جمع ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب في لفظ واحد "أنلزمكموها" وما هو نوع الاستفهام ومعنى الإلزام الوارد هنا؟
الإجابة
الإلزام معنى الإلزام هو الإكراه على الملازمة على المداومة على أمر ما على تحمل أمر ما وقبوله هذا هو الإلزام وهو الذي يفهمه الناس وهو المقصود في الآية الكريمة والاستفهام في قوله تعالى أنلزمكموها وأنتم لها كارهون استفهام إنكاري أي المقصود الإنكار عليهم فأما محل البحث الأوسع هو ما يتعلق بالضمائر ضمائر المتكلم في نون الجمع في أول الأمر ثم المخاطبين في الكاف والميم أنلزمكم ثم الغائب ها وهذا الجزء من الآية الكريمة ورد قبله قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون فهذا يوضح أن الاستفهام استفهام إنكاري ويؤخذ من معنى الآية الكريمة ما هو محل اتفاق من أن أمر قبول الهدايات والاستجابة لأمر الله عز وجل بقبول دينه إنما هو أمر اختياري للمكلفين لا يمكن أن يكرهوا عليه ولا أن يجبروا عليه هذا هو معنى الآية الكريمة أما كما قلت الجانب البلاغي بل حتى الجانب الإعرابي في قول الله تبارك وتعالى أنلزمكموها وقد اشتملت على هذه الضمائر فمع ما ذكره المفسرون وعلماء العربية وأطالوا فيه النفس إلا أن مرد كل ما قالوه إلى حقائق بسيطة يسيرة ليس فيها تعقيد فنحن نعلم أن كلام الله عز وجل هو في ذروة البيان والبلاغة والإعجاز ومن عوائد القرآن الكريم أنه لا يستعمل الظاهر في المواضع التي يمكن أن يغني فيها الضمير إلا لحكمة فإذا أمن اللبس ولم يكن المعنى مشتبهاً باستعمال الإضمار بدل الإظهار فإن القرآن الكريم لا يلجأ إلى الاسم الظاهر فهنا لو أنه لجأ إلى الأسماء الظاهرة لطالت الجملة وهذه الأسماء الظاهرة لو حلت محل الضمائر لما أدت إلى مزيد معنى اللهم إلا مزيد من التعقيد في التركيب البنيوي للجملة القرآنية وهذا ينزه عنه كلام البلغاء فضلاً عن كلام رب العزة والجلال إذن هذه هي القاعدة الأصلية أنه لا إظهار في موضع الإضمار إذا كان الإضمار كافياً لتوفية المعنى حقه قد يكون هناك إظهار في موضع كان يمكن أن يغني فيه الإضمار ولكن الله تبارك وتعالى أتى بالاسم الظاهر لأن هناك حكماً ومعاني بلاغية تزيد من قوة المعنى أو تنفي شيئاً من اللبس وهذا تعرضنا له في شيء من مواضع سورة الكهف فلما أتيا أهل قرية استطعما أهلها أهل قرية استطعما أهلها فهنا أتى بالاسم الظاهر مع أنه كان يمكن أن يستغنى بالضمير وكان هناك بيان للحكمة من استعمال الاسم الظاهر وإلا فالأصل القاعدة أن مقتضى البلاغة وغاية البيان أنه لا يعمد إلى الأسماء الظاهرة ما دام يمكن أن يستغنى عنها بالضمائر التي يؤمن معها اللبس وينتفي معها الاشتباه وتزيد الجملة توفية للمعنى وإيجازاً في المفردات والألفاظ إذن هذه هي القاعدة أصبحت واضحة وبذلك ينتفي أي إشكال هنا لأنه لو فكت كما قلت هذه الضمائر وأتي بالأسماء الظاهرة لطالت الجملة وما أدت إلى مزيد معنى أما استعمال الضمائر فهنا نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين يخاطبون هؤلاء المعاندين أنلزمكم بالبينة التي منّ الله عز وجل بها علينا والرحمة التي تنزلت علينا أنلزمكم بها أنلزمكم بالنعمة والرحمة أو لنقل بأن جامع النعمة والرحمة الهداية أنلزمكم أنتم أيها المخاطبون من قومنا بهذه الهداية وأنتم كارهون لها انظر كيف طالت الجملة مع أن هذا هو المعنى أنلزمكموها وأنتم لها كارهون فهذا خير ما يمكن أن يلخص به أقوال أهل العلم طيب لماذا إذن أيضاً هنا معنى يتصل بمعاني النحو وبوجوه البلاغة باختصار شديد ما معنى الإلزام قلنا الإلزام الإلصاق المداومة الإكراه على قبول شيء ومداومته وملازمته نفس هذا المعنى متحقق في الآية الكريمة في هذه الصيغة أنلزمكموها لأنه كان يمكن أيضاً أن يفك الضمير فيقال أنلزمكم إياها لكن لما أتى بها متصلة يعني لم يجعل ضمير الغائب منفصلاً وهو وجه إعرابي صحيح وإنما جعله متصلاً لأن المعنى هو مأخوذ من نفس أي بنية الكلمة تعين على تصور المعنى نفسه أضرب لذلك مثالاً فكبكبوا فيها هم والغاوون هذا التردد الكبكبة أنت ترى فيها التردي في والعياذ بالله في دركات جهنم من سماع الكلمة زلزلت الأرض زلزالها أنت ترى الحركة من نفس تكرار هذا المقطع الزاء الزاي واللام كأن الصوت يصف الحركة فكذلك هنا هذا البناء الواحد للكلمة جاءت متصلة هو يعكس المعنى الذي يتحدث عنه القرآن الكريم وهو معنى المداومة والإلصاق وقبول الشيء هذا وجه الوجه الثاني أنه جاء في سياق الاستفهام الإنكاري الآن سياق الإنكار يحتاج إلى اختصار لا يحتاج إلى إطالة في العبارات لأن هذا الذي ينكر عليهم هو في سياق المعاتبة والتثريب فيريد أن يوصل إليهم رسالة واضحة بينة أنه ينكر عليهم ذلك فيأتي ببنية كلمة واحدة الأمر الثالث وهو أن هذه أيضاً هذا البناء المتصل في هذه الصيغة تدل على الاشتباك الحاصل بين نوح عليه السلام وقومه تعكس هذا التاريخ الطويل من الدعوة والإنكار من تنويع الأساليب ومواجهة ذلك بالإعراض والإنكار والظلم والاستهزاء والسخرية ومنابذة نوح عليه السلام فأن تأتي أن تأتي الصيغة أيضاً متشابكة الضمائر فهذا يعكس هذا المعنى معنى التشابك والتداخل في دعوة نوح لقومه إلى قبول الحق ومنابذة قومه لهذا الحق ولدعوة نوح عليه السلام هذا والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- سبب فتح همزة إن في آية سورة الحج سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- سبب صيغة الخطاب في آيات قصة سفينة نوح بسورة الحاقة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- الحكمة من نسبة الغواية إلى الله في آية قوم نوح سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تفسير آية معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- سر حذف وإثبات النون في تك وتكن في القرآن سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي