أسباب قسوة القلوب وعلاجها في شهر رمضان

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-08-01

السؤال

يقول الله تعالى في وصف بني إسرائيل: 'ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة'. ما هي العوامل التي تتسبب في حصول هذه القسوة وكيف يمكن أن يستثمر شهر رمضان في علاج القلوب من هذه القسوة أيضًا؟

الإجابة

نعم، أولاً لننظر في هذا السياق الذي ورد فيه قوله تبارك وتعالى في خطاب بني إسرائيل: 'ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة'. هذا في سياق إعراضهم عن التفكر في ما نصبه الله تبارك وتعالى لهم من آيات، فنخلص إلى أن في صدارة ما يورث قسوة القلوب والعياذ بالله الإعراض عن التفكر في آيات الله تعالى. وأيضًا في ما قصه لنا القرآن الكريم من أخبار بني إسرائيل نجد أن أوضح سبب أورثهم قسوة القلوب نقضهم للعهود والمواثيق التي أخذها الله تبارك وتعالى لهم. ومن أجل ذلك فإن نقض عهود الإيمان والتدين والعبودية لله تبارك وتعالى بترك ما أمر الله عز وجل به أو إتيان ما نهى عنه هي من أظهر الأسباب المفضية إلى قسوة القلوب والعياذ بالله. إذًا الآن عندنا سببان: السبب الأول هو الإعراض عن التفكر في آيات الله تعالى وما نصبه جل وعلا من آيات وعلامات على وحدانيته وعلى ربوبيته واستحقاقه جل وعلا وحده لا شريك له للعبادة، وما نصبه من آيات وعلامات على قدرته جل وعلا وعلى ما أعده لعباده في الآخرة. ثم السبب الثاني هو نقض العهود والمواثيق، وهذا يشمل كما قلت ارتكاب ما حرم الله عز وجل، إتيان المحرمات، ويشمل ترك ما أمر الله عز وجل به من الواجبات. ولا يقتصر هذا على بني إسرائيل، فهذا مما يتصل بالإيمان والعقائد فلا يختلف من أمة رسول إلى غيرها. وسبب آخر أيضًا نجده في كتاب الله تبارك وتعالى وهو الإعراض عن ذكر الله عز وجل. فالله تعالى يقول: 'أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين'. فالإعراض عن ذكر الله تبارك وتعالى يورث قسوة في القلوب، ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يصف عباده المؤمنين بأنهم يذكرون الله، قال: 'والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات'، وقال: 'الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب'. فإذًا من أعظم أسباب قسوة القلوب الإعراض عن ذكر الله تبارك وتعالى، إذ المطلوب من المؤمن أن يحيي قلبه بذكر الله عز وجل بأنواع الذكر. ومن أجل ذلك أيضًا نجد في القرآن الكريم أن الصلاة نفسها إنما تقام لأجل ذكر الله عز وجل، 'وأقم الصلاة لذكري'. فسبيل ترقيق قلوب المؤمن وتعليق هذا القلب بالله تبارك وتعالى واليوم الآخر وإضفاء معاني الإيمان والخشوع والتبتل لله عز وجل والخضوع له وقبول هداياته إنما يكون بالإكثار من ذكر الله تبارك وتعالى. تقدم في السبب الثاني أن إتيان المحرمات سبب لقسوة القلوب، وهذا أيضًا نجده في القرآن الكريم في أكثر من موضع، منه قوله عز وجل: 'كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون'. فهذا الران الذي يغشى القلوب حينما تخالف أمر الله عز وجل وتنتهك حرماته فإنه ينكت في هذا القلب نكت سوداء حتى يعلو الران هذه القلوب التي أيفت بإتيان المعاصي وارتكاب المحظورات. وفيما يتعلق بذكر الله عز وجل كما تقدم فإن القرآن الكريم هو من أعظم وسائل ذكر الله تبارك وتعالى. ولهذا فإن الجزء الأخير من سؤاله، إذا أمعنا نحن النظر في أثر رمضان في اجتناب ما يورث قسوة القلوب فإن كل المعاني كل الأسباب المتقدمة لقسوة القلوب منفيّة بأداء الصيام إيمانًا واحتسابًا على الوجه الذي يرضي الله تبارك وتعالى. فإن الصيام ميثاق بين العبد وربه لأنها عبودية خالصة لله جل وعلا. فإذا أدى العبد هذا الميثاق بأمانة وإخلاص وبحسن نية وامتثال لأمر الله تبارك وتعالى في صيامه، فإن ذلك سبب موصل إلى إحياء هذه القلوب ونفي القسوة عنها. ورمضان شهر القرآن، فحينما يأتي المسلم كتاب ربه جل وعلا تاليًا قارئًا مذاكرًا متدبرًا فإن ذلك يزيل عنه وحشة القلب وقسوته ويصله بالله تبارك وتعالى ويعظم في نفسه مولاه جل وعلا ويدرك بما يقرأه في كتاب الله عز وجل حقيقة هذه الحياة الدنيا والمنقلب الذي يؤول إليه. وإذا تبتل ودعا ربه فإن دعاءه يحيي له قلبه ويعيد إليه بهاءه ويجعله موصولاً بالله تبارك وتعالى ومتعلقًا بمعالي الأمور. وإذا وصل غيره صلة رحم أو بصدقة أو بجود أو بتفطير صائم فإن ذلك أيضًا مما يورثه التذلل والتواضع وحسن الخلق، وهي كلها من المعاني التي تزيل الموانع التي يمكن أن تحول بين المسلم وبين رقة القلب وصفائه من أمراض القلوب من الكبر والحسد والتباغض والعداوات. فإنه إذا تواضع لعباد الله عز وجل وبسط لهم خلقه وبسط لهم يده مما أنعم الله عز وجل عليه فإن في ذلك دربة بالغة يظهر أثرها على قلبه. هذا باختصار ما يتعلق بأسباب قسوة القلوب وما يتعلق بسؤاله عن أثر رمضان في إزالة هذه القسوة.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

أسباب قسوة القلوب وعلاجها في شهر رمضان
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي