تفسير آية لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله في قصة يوسف

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-08-03

السؤال

سؤال عن الآية القرآنية في سورة يوسف: «قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا»، هل هذه مثل معجزة سيدنا عيسى عليه السلام عندما يخبر قومه بما يأكلون وما يدخرون؟

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فإن لأهل التفسير في توجيه قول الله تبارك وتعالى: «قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا» خلاف؛ فمنهم من قال بأن المقصود لا يأتيكما طعام ترزقانه في منامكما إلا نبأتكمما بتأويله، أي بتعبير ما رأيتموه في منامكما، وهذا ينسجم مع قولهما له: «نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ»، فجاء الجواب منه قبل أن يشرع في التأويل ببيان ما هو وما صفته وما وقته. ومنهم من قال أي من أهل التفسير -ونسب إلى طائفة من مفسري التابعين- أن المقصود من ذلك هو أنه ينبئهم بما يؤول إليه أمر ما يؤتى به إليهم من طعام، فلا يأتيكما طعام ترزقانه أي في الواقع إلا نبأتكمما به بتأويله بنوعه وصفته وما يؤول إليه أمركم معه قبل أن يأتيكما. وهذا القول يتفق مع ما أشار إليه السائل من أن هذا كما قال عيسى بن مريم عليه السلام لقومه: «وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ». وهذان هما أشهر قولين في المسألة، والذي يؤيد القول الأول -وهو أن لا يأتيكما طعام ترزقانه أن ذلك في المنام- هو قول الله تبارك وتعالى من بعد: «إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ»، فذهبوا إلى أن التأويل لا يكون إلا لمنام، إلا لرؤيا منام. ورد كثير من المفسرين هذا القول من وجوه؛ فمن انتصر للقول الثاني رأى بأن معنى التأويل ما يؤول إليه أمركم، فنظروا في المعنى اللغوي للتأويل، ومن معاني التأويل حتى عند أهل التفسير من المتقدمين أن من معاني التأويل الوقوع والتحقق، فوقوع الشيء تأويل له، ويشهد لهذا بعض أدلة في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما نجد مثل أنه أتى بذكر ما فتقول السيدة عائشة: «كان يتأول القرآن» بعد نزول سورة النصر «إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْ»، ذكرت أنه عليه الصلاة والسلام كان يكثر من الذكر والتسبيح، قالت: «كان يتأول القرآن»، أي كان يوقعه ويحققه. فلم يكن ذلك بتعبير منام، وهذا يعني له شواهد كثيرة في اللغة. هؤلاء الذين يرون هذا القول الثاني وأن ما كان قد أوتي إياه يوسف عليه السلام هو إنباؤهم بما سيأتيهم من طعام من رزق يساق إليهم قبل أن يأتيهم، فكان ينبئهم بنوع الطعام وصفته وبما يؤول إليه أمرهم معه، أي مع ذلك الطعام. وهذا يدخل فيه قول أيضاً ذكره بعض المفسرين وهم الأقل؛ أنه كان من عادة الحكام والأمراء أنهم إذا أرادوا قتل سجين أنهم يبعثون إليه طعاماً مسموماً، فأن يحمل معنى الآية الكريمة على هذا المعنى، هذا بعيد، لكنه داخل في هذا أيضاً لأن مما كان قد مكن منه يوسف عليه السلام أن يطلعهم على ما يؤول إليه أمرهم مع ذلك الطعام. ذهب وهذا القول الثاني انتصر له كثيراً العلامة السيد رشيد رضا، وأنا أجد فيه مقنعاً، (المذيع): لحكاية الواقع؟ (الشيخ): لحكاية الواقع، أنه ما كان لم يكن ذلك بمنام. وهذا من وجوه كما قلت، لأنه ما تعبير الطعام؟ إذا كانوا سيرون طعاماً في منامهم ثم سيخبرهم هو أنه سيأتيهم طعام، سيكون وجه العلم الذي أوتي إياه أضعف من الصورة الثانية وهو أن ذلك كان بابتدار منه عليه السلام في إخبارهم بما سيأتيهم من طعام. ثم إن رؤية الطعام في المنام لا يلزم منها أن تعبر في الواقع أيضاً، بأن تعبر -منام الطعام أو أصناف من الطعام- بأن تكون طعاماً يأتيهم أيضاً. والتأويل إذا كان سيعترض باستعمال القرآن الكريم في قول يوسف «بتأويله»، فالتأويل تقدم بيانه لغة وفي الاستعمال القرآني بل وفي استعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا يتناسب مع ما ذكر ما ذكره السائل من أن هذه المعجزة قد أوتيت أيضاً عيسى عليه السلام فقد كان ينبئ قومه ينبئ بني إسرائيل بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. ذهب العلامة ابن عاشور إلى قول آخر، قول ثالث نعم، وهو يرى بأن الضمائر لا تعود إلى ما قاله المتقدمون، يقول: «قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا»؛ هذا بيان وموعدة من يوسف عليه السلام أنه سينبئهم بتأويل ما رأياه، فقد حكى كل واحد منهما ما رآه في منامه ثم قالا له «نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ». قال: «لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ»، كان للطعام وقت معلوم، ولأنهم في سجن وهم محجوبون فإنهم يوقتون بمثل هذه الأحداث، فقال: سأنبئكم بتأويله أي تأويل ما سألتموني عنه قبل وقت الطعام المعلوم الذي سيأتيكم رزقاً في هذا السجن. فكانوا يوقتون بالطعام وهو يقول بأن معنى قوله «لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ» حينما وصف الطعام بأنهم يرزقانه، دل ذلك على أن له وقتاً معلوماً، وأراد أن يثبت نفوسهم لأنه سيدخل في دعوتهم إلى الإيمان بالله تبارك وتعالى وإلى توحيد الله عز وجل، فحتى لا يستبطئون تعبيره لما رأوا أراد أن يخبرهم بأنه سينبئهم بتأويل ما سألوه عنه قبل مجيء وقت الطعام. هذا الذي ذهب إليه العلامة ابن عاشور ولم أر غيره قال بهذا القول، وذكر هو بأنه خلاف قول الجمهور. (المذيع): إذن هذا مختلف عن عيسى عليه السلام؟ (الشيخ): هذا مختلف نعم، مختلف عما أوتي إياه عيسى عليه السلام ومختلف أيضاً عما ذكره المفسرون قبله. ولا أنفي هنا أن يكون هناك من قال، لكن قلت لم أطلع لأن مسألة استحداث قول في التفسير ليس له سند هذه مسألة محل خلاف في علوم القرآن. بقي أنه يمكن أيضاً أن ينظر إلى الآية الكريمة على عكس ما ذهب إليه ابن عاشور؛ فحينما قال «لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ» يمكن أن يحمل هذا على قول الجمهور؛ أنه لقلة ما يأتيهم من طعام وأنه يأتيهم في غير الأوقات المتوقعة لأنهم في سجن وهم محجوبون عن كثير من اللذائذ والمتع وما يحتاجون إليه، فكان مجيء الطعام كان الإتيان بطعام حدثاً يترقبه أهل السجن، وهذا هو المتوقع في السجون، هذا هو الحال في السجون قديماً كما هو الحال في السجون حديثاً؛ فهم يترقبون الطعام وقتاً ونوعاً وكمية، ولذلك فهو حدث يترقبونه وينتظرونه. فلأجل ذلك كان يناسب السياق أن يكون مما أوتي إياه يوسف عليه السلام من عند ربه أنه يخبرهم بميعاد الطعام وبنوعه وبمآلهم معه، فهذا أليق بما أوتي إياه من علم غزير ومما كشف له من حجب الغيب، وهذه مقدمة أراد هو بها أن يدخل إلى موضوع دعوتهم إلى توحيد الله عز وجل والإيمان بالله تبارك وتعالى وإلى ما أرشدهم ودعاهم إليه. هذا والله تعالى أعلم. (المذيع): يبقى سؤال هل كان ذلك في سياق البرهنة على صدق نبوته؟ (الشيخ): هو عد عدد من المفسرين أن هذه الآية الكريمة دليل على أن يوسف عليه السلام تلقى وحي النبوة وهو في السجن. وفرقوا بين نوعين من الوحي؛ وحي الإلهام وقالوا بأنه أوحي إليه وحي إلهام حينما كان في الجب، فالله تبارك وتعالى حكى أنه حينما ألقي في الجب قال «وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ»، قالوا هذا وحي إلهام ليس بوحي نبوة. وأما وحي النبوة فاستنبطوا من هذه الآية الكريمة أنه كان في السجن حينما كان في السجن، لأنه لما قال «قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ»، هذا دليل على أنه أوحي إليه وأنه أمر بالتبليغ. ولذلك فإن الآية الكريمة الأولى بعد سؤالهم بعد طلبهم التأويل هي مقدمة يظهر لهم فيها نعمة الله عز وجل عليه، ويزيدهم طمأنينة وثقة حينما قصدوه؛ لأنه توسم فيهم أنهم قد ركنوا إليه وأنهم يقبلون منه فزادهم ثقة، ثم إنه يكشف لهم أن هذا الذي أوتي إليه هو ليس من جنس ما عهدوه مما لدى المنجمين ولدى العرافين وإنما هو مما علمه إياه ربه تبارك وتعالى ثم دخل في بيان ما يتعلق بقضايا الألوهية والتوحيد فاستنبط من ذلك أنه قد أوحي إليه وحي النبوة وهو في السجن والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

تفسير آية لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله في قصة يوسف
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي