السؤال
ما الحكمة من ذكر اسم الموصول 'من' بدلا من 'ما' في الآية 'وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا' في سورة الإسراء، مع أن 'من' يستدل بها على العاقل، أوليس كل مخلوق دون بني آدم ليس عاقلا؟
الإجابة
لا طبعا، هو هذا الجزء الأخير فهناك الملائكة وهناك الجن وهم مكلفون وربنا تبارك وتعالى يقول 'ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا'. فلم استعمل الاسم الموصول 'من' الدال على العاقل؟ هذا هو سؤاله. والجواب يدور حول جملة من الحقائق التي ينبغي أيضا أن يتعرف عليها الناس مما يتعلق باستعمال 'من' و 'ما' الموصولتين. أولا 'من' و 'ما' من حيث الحكم الأغلبي فإن 'من' تستعمل للعاقل و 'ما' تستعمل لغير العاقل ولنعوت العاقل، نعوت أي أوصاف العاقل، إذا 'ما' تستعمل لغير العاقل لذوات غير العاقل الذوات غير العاقلة وتستعمل لأوصاف الذوات العاقلة، 'فانكحوا ما طاب لكم من النساء' هنا المقصود الالتفات إلى أوصاف هذه الذوات العاقلة. لكن هذا عام أغلبي، إذ قد يتعاقبان بحسب السياق إذا ارتفع الالتباس ولم يكن هناك اشتباه قد يتعاقبان، لكن العام الأغلب هو ما تقدم. ثم يمكن أن يستعمل الوصف 'من' الدال على العاقل مع أن المذكور المقصود هو غير العاقل تغليبا للعاقل، هذا التغليب يمكن أن يكون منشؤه التشريف كما هو الشأن في هذه الآية الكريمة، الآن هو سياق امتداح وثناء على بني آدم 'ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا'، هو سياق امتداح وثناء على بني آدم فغلب جانب العقلاء تشريفا لهؤلاء الممدوحين المثنى عليهم في هذه الآية الكريمة خصوصا وأنه يدخل فيهم كل ما يتصوره السامع ممن خلق الله تبارك وتعالى من الملائكة ومن الجن ومن سواه. إذا قد يغلب العاقل حينما يوصف غير العاقل فيغلب وصف العقلاء إما لتشريف وإما لكثرة، التشريف أيضا ورد يعني التغليب للتشريف قال 'ومنهم من يمشي على أربع' مع أن الأكثر في من يمشي على الأربع الزواحف وهذه ذوات غير عاقلة، لكن لأن السياق هو سياق تشريف والالتباس منتف فإنه لا غضاضة في استعمال ما يدل على العاقل. إذا قلنا بأن استعمال 'من' للعقلاء و 'ما' لغير العقلاء ولأوصاف العقلاء أو نعوت العقلاء إنما هو أمر أغلبي، لكنهما قد يتعاقبان في اللغة وهكذا ورد في كتاب الله عز وجل، مثلا تقدم قوله تبارك وتعالى 'فانكحوا ما طاب لكم من النساء' قال 'ما طاب لكم من النساء' الحديث عن أوصاف أو المقصود هو الإشارة إلى أوصاف ذوات عاقلة، قال 'والسماء وما بناها' مع أن طائفة من المفسرين يقولون أي 'والذي بناها' فالاسم الموصول هنا دال عليه تبارك وتعالى ومع ذلك استعمل الوصف أو استعمل الاسم الموصول الدال على غير العاقل أو على أوصاف العاقل لأن المقصود هنا هو الإشارة إلى أوصافه تبارك وتعالى في القدرة عند هؤلاء في القدرة والقوة والإحكام في الصنعة والخلقة، هناك من يقول بأن 'ما' هنا مصدرية أي المقصود 'والسماء وبنيانها' وهذا قول وجيه جدا، لكن عند من يرى بأن 'ما' موصولة فإنه وجه القول باستعمال 'ما' التي كما تقدم في دلالتها في حق الله تبارك وتعالى هذا هو الذي سوغ استعمال فقد انتفى الالتباس وصح أن تستعمل، أحيانا يدل على جمع يعني قال كما في قوله تبارك وتعالى 'إني نذرت لك ما في بطني محررا' قالوا هنا لأن هناك إبهاما أهو ذكر أو أنثى، وبعضهم قال لا ليس منشأ الإبهام لأن الذكر والأنثى كلاهما عاقل، وإنما المقصود الصحيح هو أنه في علم الله تبارك وتعالى أن هذا الحمل إنما هو في علم الله تبارك وتعالى أحي هو أو ليس بحي عاقل هو أو غير عاقل، ولكن المقصود الصحيح هو أنه ليس هناك ما يدعو إلى الارتياب واللبس ولذلك ساغ أن يستعمل 'ما' هنا، بقي النظر في الترجيح ما الذي يناسب الإبهام؟ 'ما' تناسب الإبهام أكثر من 'من'، إذا ترجيح الاستعمال لـ 'ما' هنا المرجح إنما جاء من جهة المعنى، وهذا المعنى يدور حول إبهام هذا الحمل. ربما ما أشكل علي موضوع ممن على كثير ممن. لا هو يسأل عن من نعم من.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- مناقشة قول الزمخشري في تفضيل الملائكة على البشر في آية الإسراء سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تفسير (فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم) سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تفسير قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- سر اختلاف صيغتي خالدين وخالدًا في سورة النساء سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- دلالة تكرار حرف من في آية الجبال والبرد من السماء سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي