السؤال
أحمد البكاري يقول: نرجو من فضيلة الشيخ أن يوضح الأحكام في قوله سبحانه: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم)، وبيان ما يتعلق بالاستثناء في الآية الكريمة.
الإجابة
في قول الله تبارك وتعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء)، قال ربنا تبارك وتعالى: (فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون)، هذه ثلاثة أحكام، ثم قال: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم)، هذا الاستثناء. اختلف علماء الأصول هل هذا الاستثناء يرجع إلى كل هذه الجمل المتعاطفة أو يرجع إلى الجملة الأخيرة منها فقط وهي الفسوق؟ هذا خلاف شهير عند الأصوليين، أي عند علماء أصول الفقه. خلاصته هو أن الاستثناء هو من أساليب تخصيص العموم، والاستثناء بأدوات الاستثناء المعروفة في اللغة هو من المخصصات المتصلة، أي التي تأتي مع اللفظ أو الجملة نفسها. والخلاف في هذا الاستثناء هل يرجع إلى الجملة الأخيرة أو إلى كل الجمل المتعاطفة قبل أداة الاستثناء إنما هو عند انتفاء القرائن الدالة على ذلك، فإذا حتى نحرر المسألة جيدا إذا وجدت قرائن فإنه يصار إلى القرائن التي تبين على ما يعود هذا الاستثناء، هل يعود إلى كل الجمل أو أنه يعود إلى الجملة الأخيرة منها؟ وهذه القرائن في الغالب تكون لفظية أو معنوية، لكن يتبين بها أن الاستثناء يعود إلى الكل أو إلى الجملة الأخيرة. وأيضا مما ذكره الأصوليون أن يصلح الاستثناء للعود على الجمل المتعاطفة، على سبيل المثال في هذه الآية الكريمة فإن البحث هو في الجملتين الأخيرتين لا في الحكم الأول، لا في الجملة الأولى، في قوله تبارك وتعالى: (فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون)، باتفاق العلماء فإن الجلد غير داخل في الاستثناء لأن فيه حقا لآدمي، فبقيت عندنا جملتان وهي (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون). فالذي عليه جمهور الأصوليين بعدما تحرر محل الخلاف هو أن الاستثناء يرجع إلى الجمل المتعاطفة كلها ما دام يصلح للعود لها كلها ولم تكن هناك قرينة صارفة فإن الذي عليه جمهور الأصوليين هو أنه يعود هذا الاستثناء عليها جميعا، وفي المسألة أقوال بعضهم ذكر ستة أقوال وبعضهم ذكر ثمانية أقوال، لكن أشهر الأقوال قولان، القول بأن الاستثناء يعود إلى الجمل المتعاطفة كلها والقول الآخر هو أنه يعود إلى الجملة الأخيرة. مذهب الجمهور هو أنه يعود هذا الاستثناء يعود على الجمل كلها في الحالة التي تقرر فيها محل الخلاف حتى لا نرجع يعني كل مرة ونبين ما هو أين محل الخلاف أين محل النزاع، ولهم أدلة من اللغة ومن القواعد الشرعية ظاهرة جلية، أكثر الأحناف وهناك من وافقهم من غيرهم يقولون بأن الاستثناء يعود على الجملة الأخيرة. الشيخ السالمي رحمه الله في طلعة الشمس رجح القول بأنه يعود على الجمل المتعاطفة كلها مع أنه في جوهر النظام ذكر أنها لا تعود على الجمل كلها وإنما تعود على الجملة الأخيرة، لكن الذي يعني يفهم من ترجيحه تصريحا في طلعة الشمس وهو يعني المتن شمس الأصول هو المتن الذي نظمه الشيخ السالمي رحمه الله في أصول الفقه وشرحه في طلعة الشمس فنص تصريحا بأن القول الراجح هو أن الاستثناء يعود على الجمل المتعاطفة كلها. وقلت بأن هذا هو مذهب الجمهور، مذهب جماهير العلماء، لعدة أدلة أن الجمل المتعاطفة هي في حكم هذا التعاطف دل على اشتراكها في الحكم الذي يأتي بعدها لفظا فالاستثناء يكون منها كلها، وإن حصل الاستثناء لكل جملة وهي متعاطفة فإن ذلك يكون مستهجنا في لغة العرب. والأمر الثاني مما استندوا إليه هو أن هكذا كان فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد قال للمغيرة أو لمن قذف المغيرة قال إن تبت قبلت شهادتك. والأمر الثالث أنه في هذه الآية الكريمة فإن العلة الظاهرة في منع قبول الشهادة الفسق، والتوبة ترفع حكم الفسوق عن المكلف فإذا كانت توبته توبة نصوحا فإن ذلك ينفي عنه وصف الفسوق وعلى هذا ترتفع العلة المانعة من قبول شهادته، وهو وإن لم يقل كما تقدم بأن الاستثناء يعود على الجمل كلها. لكن هذا ليس هو محل البحث، محل البحث هو في ما سأل عنه السائل وهو الاستثناء وعود هذا الاستثناء على الجمل المتعاطفة، باقي الأقوال من قال بالاشتراك أي يقول يعني هي تصلح لكل هذه الجمل كما تصلح للأخيرة بقدر مشترك، ومنهم من قال بأنه يوقف في مثل هذه يعني يسمى قول الوقوف فلا بد من دليل خارجي ومنهم من فصل فنظر إلى السياق هل يتوارد على أمر واحد أو أنه يتوارد على أمور مختلفة، والحقيقة أن كل هذه من القرائن التي قلنا بأنها خارج محل النزاع، فهذا هو القول الذي تطمئن إليه النفس وهو أن الاستثناء يعود على الجمل المتعاطفة ما لم تصرف قرينة هذا الاستثناء عن جملة منها أو عن بعضها والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- هل الاستثناء بالمشيئة يجزئ في اليمين؟ فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- معنى التكذيب في القرآن وشموله لترك العمل سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- سر اختلاف صيغتي خالدين وخالدًا في سورة النساء سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- الجمع بين آيتي ادفع بالتي هي أحسن وجزاء سيئة مثلها مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- الفرق بين العفو والصفح والغفران في القرآن الكريم سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي